ناصر صلاح الدين يكتب : الماراثون الرمضاني صراع الدراما وأثر المؤسسات الدينية في تعزيز الروحانية
بقلم: ناصر صلاح الدين
مما لا شك فيه أن شهر رمضان المبارك هو شهر الطاعات والعبادات، إذ يتسم بطابع خاص تملؤه روحانيات لا توجد في غيره من الشهور. ورغم تعاقب الأزمان، يظل رمضان يحمل بصمة متفردة؛ فبينما تميز الماضي بالبساطة والترابط المباشر بين الناس، اتسم الحاضر بالوفرة وتعدد وسائل التواصل. ورغم تغير العادات، تبقى روح الشهر الكريم ثابتة، تجمع المسلمين على قيم المحبة والتآخي.
وللأسف الشديد، نلاحظ منذ سنوات تراجعاً في الدراما الرمضانية، حيث باتت تفتقد لتلك الروحانيات التي اعتدنا عليها في تجسيد القصص والأعمال الدينية، وتسليط الضوء على شخصيات في قوالب فنية أثرت في الواقع الذي عاصرته. وهنا يطرح السؤال نفسه: أين صناع الدراما من عظمة الشهر الذي اختصه الله سبحانه وتعالى بنزول القرآن؟ كان الأولى بهم إحترام قدسية هذا الشهر، والطواف بنا في مشاهد تحسن مستوى الفكر وتدفع للتأمل في الحياة الدنيا والآخرة.
حيث يتحول شهر رمضان في كل عام إلى “سباق مع الزمن”، ليس فقط في العبادات والمناسك، بل في أروقة الشاشات التي تزدحم بعشرات الأعمال الدرامية. هذا “الماراثون الرمضاني” أصبح جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المعاصرة، لكنه يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يؤثر هذا الزخم الدرامي على جوهر الصيام وتجربة الصائم؟
الدراما. متنفس أم إستنزاف؟
في ساعات الصيام الطويلة، يبحث الكثيرون عن وسيلة لـ “تزجية الوقت” وتقليل الشعور بالعطش والجوع. وهنا تبرز الدراما كأداة للتسلية والترفيه، حيث توفر المسلسلات هروباً مؤقتاً من عناء الصيام والعمل، وينتج عن ذلك تحول هذه المسلسلات إلى مادة دسمة للنقاش بين أفراد العائلة على مائدة الإفطار وفي السهرات الرمضانية.
ابرز تحديا واضحاً وهو طغيان الشاشة على السجادة
على الجانب الآخر، نجد أن كثافة الإنتاج الدرامي قد تؤثر سلباً على المقصد الأساسي من الصيام، وذلك من خلال:
تشتيت التركيز: فالانشغال بمتابعة المسلسلات يومياً يستهلك الوقت المخصص للعبادة، والتأمل، والراحة الجسدية.
التوتر العصبي: بعض الأعمال التي تعتمد على العنف أو المشاحنات تزيد من مستويات التوتر، وهو ما يتنافى مع حالة “السكينة” المطلوبة أثناء الصيام.
الإستهلاك والإعلانات: ناهيك عن الإعلانات الكثيفة التي تصرف الإنتباه عن قيم الزهد والتكافل.
ويبقى الماراثون الرمضاني ظاهرة فنية تعكس قضايا المجتمع، ولكن يظل التحدي الأكبر أمام الصائم هو ألا تسرق الأضواءُ بريقَ الروح، وأن يظل الصيام رحلة للداخل بقدر ما هو مشاهدة للخارج.
والمفترض ياتى دور المؤسسات الدينية في استعادة القدسية
ألم يأنِ لصناع القرار، متمثلين في مؤسسة الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، إستعادة الروحانية والقدسية التي ميزت شهر رمضان عبر العصور؟ ويمكن بلورة هذا الدور في عدة نقاط إستراتيجية:
أولاً: دور الأزهر الشريف المرجعية الروحية والعلمية بصفته الهيئة العلمية الكبرى، يمتلك سلطة أدبية واسعة قادرة على:
صياغة “ميثاق أخلاقي”: وإصدار بيانات توضح مقاصد الصوم، وتؤكد أن رمضان ليس موسماً للإستهلاك المفرط أو الترفيه الملهي.
تفعيل “مرصد الأزهر”: لمتابعة المحتوى الدرامي والإعلاني، وتقديم نقد بناء يوجه صناع المحتوى نحو إحترام قيم الشهر الفضيل.
دعم المحتوى الرقمي: توجيه مجمع البحوث الإسلامية لنشر محتوى يركز على “سكينة الصيام” لمواجهة ضجيج الإعلانات.
ثانياً: وزارة الأوقاف وهى المنوط بها التنفيذ الميداني والتوعوي:
وهي المسؤولة عن المنابر والنشاط الدعوي المباشر، ويبرز دورها في:
توحيد الخطاب: تركيز خطب الجمعة حول “فقه الأولويات في رمضان” وكيفية إستثمار الوقت.
الحد من الظواهر السلبية: إصدار قرارات تضمن هدوء المساجد ومحيطها، ومنع إستغلال المنابر في أي ترويج تجاري.
المبادرات المجتمعية: تكثيف دروس “الملتقى الفكري” التي تجمع العلماء بالمواطنين لمناقشة القضايا الأخلاقية بعيداً عن صخب التلفاز.
ثالثاً: آليات الحد من العشوائية:
يمكن للمؤسستين العمل معاً على تقديم توصيات رسمية تُرفع للجهات المعنية بالإعلام، لضبط إيقاع هذا الماراثون بما يحفظ للصائم حرمة الشهر وللمجتمع قيمه.
Share this content:



إرسال التعليق