الإهمال الأسري في عصر الموبايل.. طفل يبحث عن الاهتمام ووالدان غارقان في الشاشات

كتبت: ندى رضا

في مشهد قد يتكرر داخل كثير من البيوت، يجلس الأب والأم على الأريكة، وكل منهما منشغل بهاتفه، بينما يجلس طفلهما وحيدًا على الأرض، يحتضن لعبته وينتظر نظرة أو كلمة أو لحظة اهتمام. لا يوجد صراخ أو خلاف ظاهر، لكن هناك احتياجًا صغيرًا قد يمر دون أن يلاحظه أحد: طفل يريد أن يشعر بأنه مرئي ومهم في حياة والديه.

لم يعد الإهمال الأسري يرتبط فقط بغياب الطعام أو الملابس أو الرعاية الأساسية، بل قد يظهر أيضًا في غياب التواصل العاطفي والانشغال المستمر عن الطفل، حتى مع وجود الوالدين بجواره. ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية، يبرز تساؤل مهم: ماذا يحدث عندما يحصل الهاتف على انتباه الوالدين أكثر مما يحصل عليه طفلهما؟

 

حين تصبح الشاشة حاجزًا بين الطفل وأسرته

 

قد يبدأ الأمر بتصفح سريع للرسائل أو متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يتحول تدريجيًا إلى عادة تستهلك وقتًا طويلًا من اليوم. وخلال ذلك، قد يحاول الطفل لفت الانتباه بالكلام أو اللعب أو تكرار النداء، لكنه لا يجد استجابة كافية، فيشعر بالإحباط أو يتوقف عن المحاولة.

 

ولا يعني استخدام الوالدين للهاتف في حد ذاته وجود إهمال، فهناك أعمال والتزامات ضرورية، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الانشغال بالشاشة متكررًا إلى درجة تؤثر في الاستجابة لاحتياجات الطفل أو في الوقت المخصص للحوار واللعب والرعاية.

 

الأثر النفسي.. احتياجات لا يمكن للشاشة أن تعوضها

 

يحتاج الطفل في سنواته الأولى إلى تفاعل إنساني مستمر يساعده على الشعور بالأمان، وتعلم التعبير عن مشاعره، وتطوير اللغة والمهارات الاجتماعية. ومن خلال الحديث معه، والنظر إليه أثناء التواصل، والاستجابة لمحاولاته، تتكون تدريجيًا خبرته الأولى عن العلاقات والثقة والاهتمام.

 

أما الانشغال المتكرر عنه فقد يقلل فرص هذا التفاعل، وقد يرتبط لدى بعض الأطفال بزيادة الإحباط أو صعوبة تنظيم المشاعر أو الميل إلى الانسحاب، بحسب عمر الطفل وطبيعة البيئة الأسرية ومدى توافر الرعاية البديلة.

 

ولا يصح الجزم بأن كل طفل يواجه والديه أثناء استخدام الهاتف سيعاني اضطرابًا نفسيًا؛ فالأثر يتوقف على عوامل متعددة، من بينها مدة الانشغال، ونوعية العلاقة الأسرية، ومدى تلبية احتياجات الطفل الأساسية والعاطفية.

 

عندما يصبح الهاتف وسيلة لإسكات الطفل

 

من الممارسات التي تستحق الانتباه إعطاء الطفل الهاتف كلما بكى أو شعر بالملل، بهدف تهدئته سريعًا، دون محاولة فهم سبب انزعاجه أو مساعدته على التعبير عن مشاعره.

 

قد تكون الشاشات وسيلة للترفيه أو التعلم عند استخدامها بصورة مناسبة للعمر وتحت إشراف، لكنها لا ينبغي أن تصبح البديل الدائم عن اللعب الحقيقي، أو الحوار، أو الحركة، أو التفاعل مع الأسرة.

 

فالطفل لا يحتاج فقط إلى وسيلة تشغله، بل يحتاج إلى من يشاركه اهتماماته، ويستمع إلى أسئلته، ويعلمه تدريجيًا كيف يتعامل مع الملل والغضب والانتظار.

 

المسؤولية لا تقع على الأم وحدها

 

عند مناقشة الإهمال الأسري، من المهم ألا تتحول القضية إلى اتهام للأمهات وحدهن؛ فالأب والأم شريكان في مسؤولية الرعاية والتربية، كما أن ضغوط العمل والظروف الاقتصادية والإرهاق قد تؤثر في قدرة الوالدين على تخصيص الوقت الكافي لأطفالهما.

 

لذلك، فإن الحل لا يقوم على اللوم فقط، بل على تنظيم استخدام الأجهزة، وتقاسم مسؤوليات الرعاية، وتوفير أوقات يومية يكون فيها الطفل محور الاهتمام دون مقاطعات مستمرة.

 

خطوات بسيطة تعيد الدفء إلى العلاقة

 

يمكن للأسرة البدء بتغييرات عملية، من بينها تخصيص وقت يومي للعب والحديث مع الطفل، وإبعاد الهواتف أثناء الوجبات وقبل النوم، وعدم استخدام الهاتف أثناء اللحظات التي يحتاج فيها الطفل إلى استجابة مباشرة.

 

كما يُنصح باختيار أنشطة تناسب عمره، مثل قراءة قصة، أو الرسم، أو اللعب بالمكعبات، أو الخروج للمشي. ولا يشترط أن يكون الوقت طويلًا أو مكلفًا؛ فالتفاعل المنتظم والاهتمام الحقيقي قد يكونان أكثر قيمة من وجود الوالدين بجوار الطفل بينما ينشغل كل منهما بعالمه الرقمي.

 

طفلك لا يحتاج إلى هاتف أحدث.. بل إلى حضورك

 

إن أخطر ما في الإهمال العاطفي أنه قد يحدث بهدوء، دون أن ينتبه المحيطون إلى أثره، لأن الطفل لا يمتلك دائمًا الكلمات التي يشرح بها شعوره بالوحدة أو احتياجه إلى الاهتمام.

 

والتكنولوجيا ليست عدوًا للأسرة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتقدم على العلاقة الإنسانية وتستهلك المساحة التي يحتاجها الطفل لينمو في بيئة يشعر فيها بالأمان والقبول.

 

قد لا يتذكر الطفل عدد الرسائل التي وصلت إلى هاتف والده أو والدته، لكنه يحتاج إلى أن يجد من يسمعه عندما يتحدث، وينظر إليه عندما يطلب الاهتمام، ويشاركه لحظات اللعب والاكتشاف. ففي النهاية، لا يمكن لأي شاشة أن تحل محل علاقة إنسانية حاضرة ودافئة.

Share this content:

إرسال التعليق