مضيق هرمز… حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح: ما الهدف الخفي من الحصار؟

 

 

خالد صالح: يكتب

 

لم يعد الحديث عن مضيق هرمز مجرد متابعة لتوتر إقليمي عابر، بل أصبح قراءة مباشرة في ملامح صراع دولي يتشكل أمام أعيننا. هذا الممر البحري الضيق، الواقع بين إيران وسلطنة عُمان، تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط والغاز عالميًا، ما يجعله شريان الطاقة الأهم على مستوى العالم. ومن هنا، فإن أي حديث عن “حصار” في هذه المنطقة لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً أمنيًا، بل هو خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة تتجاوز العناوين المعلنة.

في الظاهر، يبدو أن الهدف من تشديد السيطرة على المضيق هو حماية الملاحة الدولية وتأمين إمدادات الطاقة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. لكن في العمق، تكشف التحركات العسكرية والسياسية أن المسألة أكبر بكثير من مجرد تأمين سفن عابرة، بل تتعلق بإعادة توزيع أوراق القوة في المنطقة والعالم. فإيران لطالما اعتبرت المضيق ورقتها الاستراتيجية الأهم، تستخدمه كورقة ضغط في مواجهة خصومها، ملوحة بإمكانية تعطيل الملاحة متى تصاعدت الضغوط عليها. وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض حصار أو رقابة مشددة تعني في جوهرها تجريد طهران من أهم أدواتها التفاوضية.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى محاولة فرض واقع جديد يقوم على “تدويل” المضيق، أي إخراجه من نطاق السيطرة الإقليمية إلى مظلة دولية تقودها قوى كبرى. هذا التحول، إن تحقق، لن يكون مجرد إجراء تنظيمي، بل سيفتح الباب أمام تغيير قواعد الملاحة وفرض ترتيبات جديدة تتحكم فيها القوى الأكثر نفوذًا، بما يحد من سيادة الدول المطلة على المضيق ويعيد رسم خريطة النفوذ البحري في المنطقة.

وفي خلفية هذا المشهد، يتحرك هدف أكثر حساسية: الضغط للوصول إلى صفقة سياسية شاملة. فالمضيق في هذه الحالة يصبح أداة ضغط، وليس هدفًا في حد ذاته. التصعيد فيه يُستخدم كورقة لإجبار الأطراف على تقديم تنازلات في ملفات أكبر، مثل البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط. وهنا يتحول الحصار إلى جزء من لعبة تفاوضية معقدة، تُستخدم فيها الجغرافيا لتحقيق مكاسب سياسية.

لكن أخطر ما في المشهد هو أنه يجري وفق منطق “حافة الهاوية”، حيث تقترب الأطراف من نقطة الانفجار دون أن ترغب في الوصول إليها. استعراض القوة، والتهديدات المتبادلة، والتحركات العسكرية، كلها أدوات ضغط محسوبة، لكنها تحمل في طياتها خطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة إذا حدث خطأ في الحسابات. وفي منطقة بهذه الحساسية، قد يكون الخطأ الصغير كافيًا لإشعال أزمة كبرى تتجاوز حدود الإقليم.

اقتصاديًا، يبقى الهدف الأكثر هدوءًا لكنه الأشد تأثيرًا هو التحكم في سوق الطاقة العالمي. فمجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز كفيل بإرباك الأسواق ورفع أسعار النفط، ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والنمو في مختلف دول العالم. ومن هنا، فإن السيطرة على هذا الممر تعني امتلاك نفوذ مباشر على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر حجم الصراع الدائر حوله.

في النهاية، يتضح أن حصار مضيق هرمز ليس مجرد إجراء أمني أو رد فعل على تهديدات آنية، بل هو جزء من صراع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. إنه صراع على من يملك قرار الطاقة، ومن يتحكم في طرق التجارة، ومن يفرض قواعد اللعبة في النظام الدولي القادم. وبينما يبدو المضيق نقطة جغرافية صغيرة على الخريطة، فإنه في الحقيقة أحد أخطر مفاتيح النفوذ في العالم، وما يدور حوله اليوم قد يكون مجرد بداية لتحولات أكبر لم تتضح ملامحها بالكامل بعد.

Share this content:

إرسال التعليق