الدين الأميركي يتجاوز حجم الاقتصاد.. فوائد متصاعدة وعجز تريليوني دولار يضعان واشنطن أمام اختبار صعب
كتبت:- أميرة عماد
لم تعد أزمة الديون الأميركية مجرد أرقام متضخمة في تقارير وزارة الخزانة، بعدما بدأت تكاليفها تفرض ضغوطًا مباشرة على الاقتصاد والأسر والشركات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الاقتراض وتراجع قدرة الحكومة على توجيه مواردها إلى قطاعات أخرى. ومع دخول الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، الثلاثاء، عاد ملف الاستدامة المالية إلى صدارة النقاش، وسط عجز يقترب من تريليوني دولار ودين عام تجاوز حجم الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد.
وتظهر آثار هذه الضغوط في تكلفة التمويل داخل الولايات المتحدة؛ إذ ارتفع متوسط عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.88%، مقارنة بـ2.1% في عام 2019، كما صعد متوسط الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عامًا إلى 7.2%، مقابل 3.9% خلال العام نفسه.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع العوائد على الحكومة، بل تمتد إلى الأسر والشركات من خلال زيادة تكلفة القروض والتمويل العقاري والاستثمار، في الوقت الذي تتحمل فيه الموازنة أعباء أكبر لإصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الالتزامات المستحقة.
فوائد الدين تقلص خيارات الحكومة
وتشكل مدفوعات الفوائد أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العامة الأميركية، مع استحواذها على حصة متزايدة من الموارد الفيدرالية، بما يحد من المساحة المتاحة للإنفاق على البنية التحتية والدفاع والبرامج الاجتماعية.
وبحسب تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس، من المتوقع أن ترتفع صافي تكاليف الفوائد بأكثر من نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المقبل. كما قد تؤدي زيادة أسعار الفائدة بمقدار 0.1 نقطة مئوية فوق الافتراضات المعتمدة لدى المكتب إلى إضافة نحو 379 مليار دولار إلى تكاليف الفوائد على مدى عشر سنوات.
وتكشف المقارنة مع عام 2019 عن اتساع العبء؛ إذ كان الدين العام يعادل آنذاك نحو 79% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت الحكومة تنفق ما يعادل 1.8% منه على الفوائد، بينما تقترب هذه النسبة حاليًا من 3.2%.
الدين يتجاوز الناتج المحلي والعجز يقترب من تريليوني دولار
وتعكس المؤشرات المالية حجم التحدي الذي تواجهه واشنطن؛ فوفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية، بلغ الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور 32.2 تريليون دولار بنهاية السنة المالية المنتهية في 30 سبتمبر 2026، بما يعادل 100.03% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويمثل ذلك أعلى مستوى منذ عام 1946، عندما وصلت نسبة الدين إلى 106% من الناتج المحلي نتيجة الاقتراض الضخم لتمويل الحرب العالمية الثانية، كما يزيد على مستوى 99.4% المسجل بنهاية السنة المالية 2025، وإن جاء أقل من توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس الصادرة في فبراير الماضي، والتي رجحت بلوغه 100.6%.
وسجل عجز الموازنة الفيدرالية نحو تريليوني دولار خلال السنة المالية 2026، بما يعادل 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق حسابات تستند إلى بيانات الناتج للأرباع الأربعة من السنة المالية، وذلك رغم النمو القوي الذي شهده الاقتصاد خلال الربع الثالث.
ويُفضل الاقتصاديون الاستناد إلى الدين الذي يحمله الجمهور عند تقييم الالتزامات التمويلية للحكومة، بدلًا من إجمالي الدين الفيدرالي الذي تجاوز 40 تريليون دولار؛ لأن الرقم الأخير يتضمن أيضًا ديونًا مستحقة لجهات حكومية أخرى، من بينها سندات الخزانة الموجودة في الصندوق الاستئماني للضمان الاجتماعي.
«فيتش»: الضغوط مستمرة أيًا كان الفائز في الانتخابات
وفيما تتجه الأنظار إلى نتائج انتخابات التجديد النصفي، ترى وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن التحديات المالية الأميركية لن تتغير بصورة جوهرية بتغير الحزب المسيطر على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، باعتبار أن جذور الأزمة ترتبط بعوامل هيكلية، أبرزها ارتفاع الإنفاق على برامج الاستحقاقات الاجتماعية وزيادة تكاليف خدمة الدين.
وحذرت الوكالة من أن سيطرة الديمقراطيين على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما قد تزيد احتمالات المواجهة السياسية بشأن سقف الدين وتمويل الحكومة، بما يرفع مخاطر تأخر إقرار الموازنات أو الدخول في أزمات تمويلية متكررة.
وتتوقع «فيتش» اتساع عجز الحكومة العامة، الذي يشمل موازنات الولايات والحكومات المحلية، إلى 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، ثم إلى 7.6% خلال عام 2027، ليصبح الأعلى بين الدول الحاصلة على تصنيف «AA»، وفق تقديرات الوكالة.
وتشير هذه التوقعات إلى أن نتيجة الانتخابات قد تحدد شكل الخلافات بشأن أولويات الإنفاق والسياسة الضريبية، لكنها لا تعالج وحدها الأسباب التي تدفع الدين إلى الارتفاع، خاصة إذا لم تقترن القرارات المتعلقة بزيادة الإنفاق أو خفض الضرائب بإجراءات تعوض تكلفتها.
الضمان الاجتماعي يواجه احتمال خفض المنافع
ومن بين الملفات التي تزيد تعقيد المشهد المالي، تبرز تكاليف برامج الاستحقاقات الاجتماعية، مع تقدم السكان في العمر وارتفاع الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية «ميديكير».
وتشير التوقعات إلى احتمال نفاد احتياطيات الصندوق الاستئماني للضمان الاجتماعي في عام 2032، وهو ما قد يؤدي، في حال عدم تدخل المشرعين، إلى خفض تلقائي للمنافع بنحو 22%.
ويضع هذا الاحتمال الكونغرس أمام اختيارات صعبة، تشمل تقليص بعض المنافع أو زيادة الضرائب أو تحويل موارد من الموازنة العامة لدعم البرنامج، وهي حلول تحمل تبعات سياسية واجتماعية، في ظل الخلافات الحزبية بشأن الضرائب وحجم دور الحكومة في تمويل الخدمات الاجتماعية.
كيف تحولت الولايات المتحدة من الفائض إلى تراكم الديون؟
وتختلف الصورة المالية الحالية عن وضع الاقتصاد الأميركي في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما سجلت البلاد فوائض في الموازنة، مدعومة بقوة النمو الاقتصادي وضبط الإنفاق وزيادة إيرادات الضرائب على مكاسب رأس المال خلال طفرة شركات التكنولوجيا.
وفي عام 2000، كان الدين يعادل 33.7% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يبدأ المسار في التغير مع التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق لمواجهة تداعيات هجمات 11 سبتمبر 2001، ثم الأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009، وجائحة «كوفيد-19» في 2020، إلى جانب الزيادة المستمرة في تكاليف البرامج الاجتماعية.
ومع تراكم هذه الأعباء، لم تعد العجوزات الكبيرة مرتبطة فقط بالأزمات الطارئة، بل أصبحت جزءًا من تحديات مالية ممتدة، تتعلق بارتفاع الالتزامات الحكومية وتكلفة تمويلها.
أزمة الديون تدخل حسابات انتخابات 2028
ومن المرجح أن يتجاوز تأثير الأزمة المالية نتائج انتخابات التجديد النصفي، ليصبح أحد الملفات المؤثرة في السباق الرئاسي لعام 2028، مع تزايد صعوبة تقديم وعود انتخابية بخفض الضرائب أو توسيع الإنفاق دون توضيح مصادر التمويل.
وبعد سنوات استخدم فيها الحزبان الجمهوري والديمقراطي ملف العجز في المواجهات السياسية، أصبحت تداعياته أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للأميركيين، من خلال ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة مدفوعات الفوائد واحتمالات اتخاذ قرارات غير شعبية بشأن الضرائب أو برامج الاستحقاقات الاجتماعية.
ويرى محللون أن الظروف المالية الراهنة تختلف عن تلك التي سادت خلال انتخابات 2016 و2020 و2024، عندما كان الاقتراض الحكومي أقل تكلفة، وكانت قدرة واشنطن على تمويل برامجها أوسع، بينما تفرض أسعار الفائدة المرتفعة والالتزامات المتزايدة قيودًا أكبر على أي إدارة تسعى إلى توسيع الإنفاق أو تقديم تخفيضات ضريبية.
وبينما قد تحدد الانتخابات الطرف الذي سيتولى قيادة النقاش بشأن الموازنة وسقف الدين، فإنها لن تغير وحدها المسار الذي تراكم على مدار سنوات من العجز والاقتراض، لتظل معالجة المالية العامة اختبارًا اقتصاديًا وسياسيًا رئيسيًا أمام الإدارة الأميركية المقبلة
Share this content:



إرسال التعليق