مولد الحبيب..حين صنعت المحنة أعظم إنسان
بقلم : عزت سلامة
تأتى ذكرى مولد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، لتفتح أمامنا صفحة من أعظم صفحات التاريخ ، صفحة إنسان اصطفاه الله لحمل رسالة غيرت وجه البشرية ، وجعلته رحمة للعالمين. وليس مولد النبى صلى الله عليه وسلم ، مناسبة تمر علينا بالمدائح والاحتفالات ثم تنتهي ، وإنما فرصة حقيقية للعودة إلى سيرته ، والتأمل فى طفولته وشبابه ، ورحلته مع اليُتم والفقد ، وكيف تحولت المحن التى مر بها إلى قوة صنعت شخصية استثنائية حملت أعظم أمانة.
وُلد يتيماً.. فكان نصيراً لليتامى
وُلد محمد صلى الله عليه وسلم في عام الفيل ، وقد شاءت إرادة الله أن يبدأ حياته يتيماً ، فقد توفي والده عبد الله قبل مولده ، ثم فقد أمه آمنة وهو فى السادسة من عمره ، وبعدها فقد جده عبد المطلب ، وانتقل إلى رعاية عمه أبى طالب.
كان يمكن لهذه الأحداث أن تترك في النفس جراحاً لا تندمل ، لكن الله سبحانه وتعالى أحاط نبيه بعنايته ، وقال له : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى )..ومن هنا تبدو إحدى أعظم رسائل السيرة : أن قسوة البدايات لا تحدد قيمة النهايات ، وأن الإنسان قد يخرج من رحم المحنة أكثر قوة ورحمة وقدرة على فهم آلام الآخرين.
طفولة بسيطة صنعت رجلاً عظيما
لم ينشأ النبي صلى الله عليه وسلم في حياة من الترف ، بل عاش حياة بسيطة ، ورعى الغنم ، وتعلم الصبر وتحمل المسؤولية ، وعُرِف بين قومه بالصدق والأمانة ، حتى لقبوه قبل البعثة بـ الصادق الأمين .
كانت تلك السنوات إعدادا هادئا لشخصية ستواجه لاحقا التكذيب والأذى والحصار والهجرة والحروب ، لكنها لن تتخلى عن الرحمة أو العدل أو حسن الخلق.
الدرس الذي نحتاجه اليوم
في زمن تكثر فيه القسوة”، وتعلو فيه لغة الخصومة، وتغيب أحيانا الرحمة عن العلاقات الإنسانية ، نحن في أشد الحاجة إلى استعادة أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم رحيما بالضعيف ، قريبا من الفقير ، حريصا على اليتيم ، متسامحا مع المخالفة، صادقا في قوله ، أمينا فى معاملته ، وكان القرآن الكريم شاهدا على عظمة أخلاقه : ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ).
فماذا يعني أن نحتفل بمولده إذا لم تنتقل أخلاقه إلى بيوتنا وشوارعنا ومعاملاتنا ؟
محبة الرسول ليست كلمات
محبة الحبيب صلى الله عليه وسلم ليست مجرد قصائد ومدائح وشعارات ، وإنما اقتداء وسلوك .. أن نكون رحماء بأبنائنا ، عادلين في أحكامنا ، أمناء فى أعمالنا ، صادقين فى كلامنا ، وأن نمد أيدينا إلى من يحتاجها دون انتظار مقابل.
وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد ذاق اليُتم والفقد ، فعلينا أن نتذكر اليتيم.. وإذا عاش البساطة ، فعلينا ألا نحتقر الفقير .. وإذا تحمل الأذى ، فعلينا أن نتعلم الصبر وضبط النفس.
المولد.. فرصة لإحياء القيم
إن أعظم ما يمكن أن نهديه للحبيب صلى الله عليه وسلم فى ذكرى مولده أن نحيي سنته فى أخلاقنا قبل مظاهر احتفالنا ، وأن نجعل من سيرته مدرسة لأبنائنا ، ومن رحمته منهجا فى تعاملنا مع الناس.
فمولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد ميلاد رجل عظيم ، بل كان ميلاد رسالة ورحمة ونور..سلام عليك يا رسول الله يوم وُلدت ، ويوم حملت الرسالة ، ويوم رحلت إلى الرفيق الأعلى ، ويوم نلقى الله ونحن نحاول أن نكون من أتباعك حقا وخلقا وسلوكا.
Share this content:



إرسال التعليق