صلابة الروح في مواجهة الإبتلاء

بقلم: ناصر صلاح الدين

تضعنا الحياة في كثير من الأحيان أمام اختبارات قاسية تتجاوز طاقتنا على التحمل، حيث تتوالى الأزمات وتتلاحق الضغوط وتتعقد  الظروف، حتى يجد المرء نفسه يغرق في طوفان من المعاناة التي يبدو أنها لا نهاية لها. غير أن الصعوبة الحقيقية والوجع الأشد لا يكمنان في الشدائد المادية وحدها، بل في ذلك الألم النفسي العميق، والحرقة التي تعصر القلب عندما يأتي الطعن ممن كنا ننتظر منهم الدعم والإنصاف؛ فنجد أنفسنا محاصرين بسوء الظن، مع إنعدام التقدير الخاطئ، وللأسف الشديد محرومين حتى من حق الدفاع عن أنفسنا أو شرح موقفنا، وكأن الصدر قد ضاق بما فيه ولم يعد يتسع لمزيد من خيبات الأمل.

ومع أول محاولة خافته لإلتقاط الأنفاس وترميم ما انكسر في أعماقنا، يفاجئنا القدر برحيل خاطف لأشخاص كانوا يعنون لنا الكثيرا. رحيلٌ مرير بلا إستئذان ولا وداع، يترك خلفه ثقلاً نفسياًاً وفراغاً موحشاً لا يُمحى، ويطرح في أرواحنا المجهدة أسئلة عميقة ومؤلمة حول حقيقة هذه الدنيا وسرعة زوالها، وكيف لأحبابنا أن يختفوا في لحظة ويتركونا نصارع الوحشة وحدنا.

ويزداد الحزن ضراوة، وتشتعل في الصدر جمرة المرارة، عندما نرى أشخاصاً آخرين يعانون الظلم والإهمال من قِبل من يُفترض أن يكونوا مصدر أمان وحماية لهم. في تلك اللحظات، يقف الإنسان مكسور الجناح، مكبل الأيدي، لا يملك سوى مبادرات بسيطة وجود بدني يحاول به التخفيف عنهم، وهو يعلم في حرقة قلبه أنه أضعف من أن يغير هذا الواقع الأليم بالكامل.

أمام هذا الركام من الخيبات والآلام، تتردد في أذهاننا المنهكة أسئلة حائرة تتفجر من قلب ضاق ذرعاً: هل ما نمر به هو اختبار لصلابة إيماننا ليرفع الله به درجاتنا؟ أم أنه تمحيص للذنوب وتكفير للسيئات؟

لكن الثابت وسط هذا الظلام أن المسؤولية الكبرى لهذه الآلام تقع على عاتق كل من قصر في واجبه الإنساني أو الأخلاقي، وكل من إستهان بكسر خواطر البشر.

إلى كل من كان في موقع قدرة أو مسؤولية فظلم أو أهمل، وإلى كل من تسرع في الحكم على الآخرين وبنى مواقفه على سوء الظن دون تقصٍّ للحقائق: إن قسوة القلوب والتغافل عن معاناة الضعفاء ليسا مجرد خطأ عابر، بل هما جرح يترك آثاراً غائرة في نفوس يعصرها الحزن. إن الحياة تدور، وعدالة السماء قائمة لا تغفل عن صغيرة ولا كبيرة، ومن الأفضل لكل إنسان أن يراجع نفسه قبل أن يجد نفسه في موقع من ظلمهم اليوم، متجرعاً من نفس الكأس.

وعتاب الذات ليس ذنباً

وفي المقابل، ونحن في أوج حزننا وضيق صدورنا، نقع في خطأ آخر حين نلوم أنفسنا فوق ما تحتمل. نلزم أنفسنا بتغيير العالم وإصلاح كل اعوجاج، وعندما نعجز عن ذلك بسبب حدود قدراتنا البشرية، يتملكنا شعور جارف بالذنب، ونحمل أنفسنا المجهدة فوق طاقتها وكأننا السبب في كل هذا الدمار.

وهنا يجب أن نكون منصفين مع أنفسنا المنكسرة: إن التكليف الإنساني والإيماني مرتبط بالسعي والجهد المتاح فقط، وليس بالنتائج. عندما تمد يدك المرتجفة بما تستطيع لتخفف عن غيرك—حتى لو كان مجرد حضورٍ صادق أو جهدٍ بدني بسيط—فأنت تقوم بدورك و لا ينبغي أن نتحول إلى خصوم لأنفسنا فوق خصومة الواقع الذى نعيشه، بل يجب أن نتقبل حدودنا البشرية برفق ودون جلد للذات.

فنقاء السريرة وراحة اليقين

عندما يدرك الإنسان—رغم كل هذا الضيق والحزن أن نيته كانت صادقة، وأن سريرته نقية من الظلم والشر، هنا تتنزل على قلبه المتعب السكينة وقد يخطئ الناس في فهمك، وقد يجور عليك أقربهم، لكن اليقين بأن الله يعلم الخفايا ويطلع على القلوب المكلومة يمنح النفس طمأنينة لا تزلزلها آراء البشر.

إن التعب والمجهود والصبر على الجفاء، والوجع الصامت الذي يختنق في الصدور.. كل ذلك لا يضيع عند الله. وما هذه المحن والابتلاءات إلا محطات لتصفية القلوب وتدريبها على الصبر والمقاومة النفسية.

إنها مرحلة “الصبر الجميل”، التي يدرك فيها المرء أن الأرواح التي مرت بمرارة العجز وضيق الصدر والظلم هي ذاتها الأرواح التي تُبنى صلابتها لتكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات ونقاء. فلنستمر في الثبات على واجبنا الإنساني بما نستطيع، ولنلملم جراحنا، ونترك النتائج لمن بيده مقادير الأمور.

Share this content:

إرسال التعليق