«لو بتحبيني ابعتيلي صورتك».. حين يتحول الحب إلى فخ للابتزاز والتهديد
كتبت: ندى رضا
لم تعد كل قصص الابتزاز تبدأ برسالة تهديد مجهولة أو حساب غريب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فبعضها يبدأ بكلمات عاطفية، ووعود بالارتباط، وعبارات توحي بالثقة والأمان، قبل أن تتحول العلاقة تدريجيًا إلى وسيلة للضغط والسيطرة، ويجد أحد الطرفين نفسه أمام تهديد بنشر صور أو محادثات خاصة إذا قرر الانسحاب أو رفض تنفيذ مطالب الطرف الآخر.
إنه الابتزاز العاطفي والإلكتروني، أحد الملفات التي تفرض نفسها بقوة في ظل التوسع في العلاقات عبر الإنترنت، وسهولة تبادل الصور والرسائل، وصعوبة تقدير بعض الأشخاص للعواقب التي قد تترتب على مشاركة محتوى خاص مع شخص لم تتضح حقيقة نواياه.
من الثقة إلى التهديد
قد تبدأ القصة بتعارف عادي، ثم تتطور العلاقة إلى تبادل الصور والمعلومات الشخصية، ويُقدَّم طلب الاحتفاظ بصورة خاصة باعتباره دليلًا على الحب أو الثقة. ومع مرور الوقت، قد تظهر مطالب أخرى، أو تبدأ محاولات فرض السيطرة، حتى يصبح التهديد وسيلة لإجبار الضحية على الاستمرار في العلاقة أو إرسال المزيد من المحتوى أو دفع الأموال.
وفي هذه المرحلة، لا يعود الخوف متعلقًا بالعلاقة نفسها، بل بما يمكن أن يحدث إذا كُشف الأمر أمام الأسرة أو الأصدقاء أو زملاء العمل. وقد يدفع هذا الخوف بعض الضحايا إلى الصمت، أو الاستجابة للمبتز، اعتقادًا منهم أن تلبية مطالبه ستنهي الأزمة، بينما قد تمنحه الاستجابة فرصة لمواصلة الضغط.
لماذا يصمت الضحايا؟
لا يمكن تفسير الصمت باعتباره ضعفًا أو موافقة على ما يحدث؛ فالخوف من الفضيحة، والقلق من رد فعل الأسرة، والشعور بالذنب، والتهديد بفقدان السمعة أو العمل، كلها عوامل قد تمنع الضحية من طلب المساعدة.
وتزداد المعاناة عندما تتحول الضحية من شخص يتعرض للتهديد إلى شخص يُحمَّل مسؤولية الجريمة التي ارتُكبت في حقه. فبدلًا من البحث عن وسيلة لحمايتها، قد تواجه اللوم والتشهير، وهو ما يمنح المبتز مساحة إضافية لمواصلة تهديداته.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي بأن المسؤولية تقع على من يستخدم الصور أو المعلومات الخاصة للتهديد والإكراه، وأن التعامل مع الأزمة يجب أن يبدأ بالحماية والدعم، لا بالإهانة أو التشهير.
هل حذف الصور ينهي المشكلة؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن حذف المحادثات أو إغلاق الحساب سيُنهي التهديد بالضرورة. فقد يكون المحتوى محفوظًا لدى الطرف الآخر أو منقولًا إلى حسابات وأجهزة مختلفة. لذلك، من المهم الاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به من أدلة، مثل رسائل التهديد وبيانات الحسابات والتواريخ، دون إعادة نشر المحتوى الخاص أو تداوله بين الآخرين.
كما يُنصح بعدم الاستجابة لطلبات المبتز أو إرسال المزيد من الصور أو الأموال تحت الضغط، وطلب المساعدة من شخص موثوق أو جهة مختصة، مع تأمين الحسابات وتغيير كلمات المرور وتفعيل وسائل الحماية المتاحة.
بين القانون والخوف من الفضيحة
يمثل الابتزاز الإلكتروني قضية تتجاوز الخلافات الشخصية، لأنه قد يتضمن تهديدًا أو انتهاكًا للخصوصية أو جرائم رقمية أخرى بحسب تفاصيل الواقعة والقانون المنطبق عليها. وفي مصر، يمكن للمتضرر طلب المشورة القانونية والإبلاغ لدى الجهات المختصة بجرائم تقنية المعلومات، مع الحرص على حفظ الأدلة وعدم نشرها على مواقع التواصل.
ويظل التعامل مع كل حالة مرتبطًا بطبيعة التهديد والأدلة المتاحة، لذلك لا ينبغي تقديم وعود للضحية بأن إجراءً واحدًا سيضمن اختفاء المحتوى أو انتهاء الخطر بصورة فورية.
من المسؤول عن الحماية؟
المواجهة لا تقع على عاتق الضحية وحدها؛ فالأسرة مطالبة بتوفير مساحة آمنة للحديث والإبلاغ دون تهديد أو لوم، والمؤسسات التعليمية والإعلامية مطالبة بتقديم توعية عملية حول الخصوصية الرقمية، كما أن منصات التواصل تتحمل مسؤولية التعامل مع البلاغات وفق سياساتها والإجراءات المتاحة لديها.
ويحتاج المجتمع أيضًا إلى تغيير نظرته إلى من يتعرضون للابتزاز، لأن الخوف من الفضيحة قد يكون أحد أهم الأسباب التي تدفعهم إلى إخفاء ما يحدث. فكلما شعر الضحايا بأنهم سيجدون الدعم بدلًا من الإدانة، زادت فرص طلب المساعدة مبكرًا.
إن أخطر ما في الابتزاز ليس الرسالة التي تصل إلى الهاتف فحسب، بل الخوف الذي قد يسيطر على حياة الإنسان ويجعله يشعر بأنه محاصر بلا مخرج. ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بكسر الصمت، وتصحيح المفاهيم، وتوفير الحماية القانونية والنفسية، والتأكيد على أن الخطأ الذي يرتكبه المبتز لا يتحول إلى حق له لمجرد امتلاكه صورة أو رسالة خاصة.
فالخصوصية ليست دليل إدانة، والثقة ليست تصريحًا بالتهديد، والحب الحقيقي لا يحتاج إلى ابتزاز كي يستمر.
Share this content:



إرسال التعليق