التنمّر بين الأطفال.. كلمات جارحة قد تترك أثرًا نفسيًا أطول من لحظة السخرية

كتبت ندى رضا

لا يتوقف أثر التنمّر بين الأطفال عند موقف عابر في المدرسة أو تعليق ساخر بين الأصدقاء؛ فقد تتحول الإهانة المتكررة إلى تجربة تؤثر في شعور الطفل بالأمان والانتماء، وتنعكس على ثقته بنفسه وعلاقاته بالآخرين وقدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية.

 

ويظهر التنمّر في صور متعددة، منها السخرية من الشكل أو طريقة الكلام أو المستوى الدراسي، وإطلاق الألقاب المهينة، والاستبعاد المتعمد من اللعب والأنشطة، إلى جانب الاعتداء الجسدي أو نشر صور وتعليقات مسيئة عبر الإنترنت. وقد لا ينتبه بعض البالغين إلى خطورة هذه السلوكيات حين تُقدَّم باعتبارها مزاحًا، رغم أن تكرارها واختلال ميزان القوة بين الأطراف قد يجعلانها مصدرًا مستمرًا للضغط.

 

وقد يتردد الطفل الذي يتعرض للتنمّر في إخبار أسرته أو معلميه، خوفًا من أن يُتهم بالمبالغة أو أن تتفاقم المشكلة إذا تدخل الكبار. ومن العلامات التي تستحق الانتباه تغيّر السلوك المعتاد، أو رفض الذهاب إلى المدرسة، أو الانعزال، أو اضطراب النوم، أو تراجع المشاركة الاجتماعية والدراسية. ولا تعني هذه العلامات وحدها أن الطفل يتعرض للتنمّر، لكنها تستدعي الاستماع إليه وفهم ما يمر به.

 

ويبدأ التعامل السليم بإتاحة مساحة آمنة للطفل كي يشرح ما حدث من دون لوم أو تقليل من مشاعره. ومن المهم أن يسمع بوضوح أن الإساءة ليست ذنبه، وأن طلب المساعدة لا يعني الضعف. كما ينبغي سؤال الطفل عن التفاصيل بهدوء، وتجنب دفعه إلى مواجهة من يؤذيه بمفرده أو مطالبته بالصمت حتى لا تتفاقم المشكلة.

 

وتتحمل المدرسة مسؤولية وضع قواعد واضحة ضد التنمّر، والاستجابة للبلاغات بجدية، ومتابعة سلامة الطفل بعد التدخل. ويشمل ذلك توعية الطلاب بالفارق بين المزاح المقبول والإيذاء، وتدريب المعلمين على ملاحظة السلوكيات المتكررة، وإشراك الأسرة في خطة متابعة تحفظ خصوصية الطفل ولا تحوّل الواقعة إلى مادة للتشهير.

 

أما الأسرة، فيمكنها دعم الوقاية عبر تعليم الأبناء احترام الاختلاف، ومراجعة طريقة حديثهم عن الآخرين، ومساعدتهم على التعبير عن الغضب أو الخلاف من دون إهانة. ويحتاج الطفل الذي مارس التنمّر أيضًا إلى تدخل تربوي يوضح أثر سلوكه ويضع حدودًا واضحة، بدل الاكتفاء بالعقاب أو وصمه بصفة ثابتة.

 

ومع اتساع استخدام الهواتف والمنصات الرقمية، قد يستمر الإيذاء خارج المدرسة من خلال الرسائل والصور والتعليقات. لذلك من المفيد الاحتفاظ بما يثبت الإساءة عند الحاجة، والإبلاغ عنها للمنصة والجهات المسؤولة في المدرسة، مع تجنب إعادة نشر المحتوى المسيء أو تحويله إلى وسيلة للانتقام.

 

وتؤكد حملات التوعية الرسمية في مصر أهمية مواجهة التنمّر بوصفه شكلًا من أشكال الإيذاء النفسي والاجتماعي، لا مجرد خلاف بين الأطفال. وتظل حماية الطفل مسؤولية مشتركة تبدأ بالاستماع إليه، ثم التعامل مع الواقعة بجدية، وبناء بيئة يشعر فيها أن الاختلاف لا يبرر الإهانة وأن طلب المساعدة حق له.

Share this content:

إرسال التعليق

خدمات