سوريا المستباحة.. الاحتلال الإسرائيلي يظن أن الفوضى صك ملكية

 

بقلم _ طاهر إدريس 

ليست سوريا الحبيبة أرضاً بلا صاحب، وليست جراحها المفتوحة دعوة مفتوحة لكل غازٍ. ما تفعله إسرائيل اليوم في الجنوب السوري ليس “توغلاً أمنياً” ولا “عملية مؤقتة”، بل هو جريمة احتلال موصوفة، وقحة، ويومية.

منذ عام 1967 وإسرائيل تحتل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واليوم تستغل لحظة تاريخية فارقة تمر بها سوريا، لحظة سقوط نظام بشار الأسد في

8 ديسمبر 2024، لتعلن من طرف واحد انهيار اتفاقية فض الاشتباك الموقعة منذ عام 1974، وتحتل المنطقة السورية العازلة وما وراءها.

ماذا يحدث في القنيطرة ودرعا؟

احتلال بالقطعة الاحتلال اليوم يُقاس بالمتر وبالحاجز وبالبيت .

في القنيطرة المشهد أصبح روتيناً مذلاً ومقصوداً

قصف مدفعي يستهدف الأراضي الزراعية على أطراف بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي • توغلات بعشرات الآليات، في 20 آلية مرة، و14 مرة، و6 مرات أخرى، تدخل القرى وتجول في محيطها كأنها تمشي في مستوطنة لا في دولة ذات سيادة

إقامة 3 حواجز تفتيش في يوم واحد، قوة من عشر آليات تقسم نفسها، حاجز غرب قرية صيدا الحانوت وآخر وسط صيدا الجولان لتفتيش المارة والتحقيق معهم • توغل في الصمدانية الشرقية وإنشاء حاجز بينها وبين خان أرنبة، وتوغل آخر بثلاث آليات ينصب حاجزاً مؤقتاً على المفرق ويفتش الناس قبل أن ينسحب • اعتقال شباب سوريين من بيوتهم، تفتيش منازل في صيدا الجولان، وتجريف أراضٍ زراعية بجرافة عسكرية في قرية الرفيد

هذا ليس دفاعاً عن النفس. هذا ما وصفته وكالة الأنباء السورية الرسمية بدقة: الجيش الإسرائيلي يواصل بوتيرة شبه يومية قصفه المتكرر للأراضي السورية، إلى جانب تنفيذ توغلات برية، لاسيما بريفي القنيطرة ودرعا، ويعتقل مواطنين ويقيم حواجز ويُدمر مزروعات.

والأخطر من التوغل هو التثبيت. القوات الإسرائيلية اليوم تمدد شبكة أسلاك شائكة جديدة على الجانب الغربي من بلدة الرفيد، تثبت دعائم حديدية وترفع سواتر في نقاط قريبة من خط وقف إطلاق النار، في مسعى واضح لتشديد الرقابة وتوسيع الحرم الميداني الفاصل بين القرى السورية والجانب المحتل. إنهم لا يتوغلون لينسحبوا، بل يتوغلون ليرسموا حدوداً جديدة.

كذبة “انهيار اتفاق 1974”

تتحجج تل أبيب بأن اتفاقية فصل القوات لعام 1974 قد انهارت بسقوط النظام. وهذا تزوير قانوني كامل.

الاتفاقيات الدولية لا تسقط بسقوط الأنظمة، والدولة السورية باقية. دمشق نفسها، بإدارتها الجديدة، أكدت التزامها بالاتفاقية، رغم أنها لم تهدد إسرائيل يوماً. الرد الإسرائيلي كان شن غارات جوية أسفرت عن مقتل مدنيين وتدمير مواقع عسكرية وآليات وذخائر.

الحقيقة بسيطة: إسرائيل لا تريد منطقة عازلة، بل تريد منطقة ميتة، خالية من أي سيادة سورية، لتكون حزاماً أمنياً استيطانياً جديداً.

صمت يمنح الضوء الأخضر

ما يحدث في القنيطرة ودرعا وصفته الحكومة السورية بأنه “انتهاك صارخ للسيادة”، أدانت بأشد العبارات التوغلات داخل الأراضي السورية واستهداف المنطقة بقذائف مدفعية وما نتج عنه من ترويع للمدنيين.

لكن أين العالم؟ أين الأمم المتحدة التي ترعى اتفاق 1974؟ أين الجامعة العربية؟

صمتهم يحول الجريمة إلى عادة، والعادة إلى حق مكتسب. سوريا اليوم منهكة، تخرج من حرب عمرها 14 عاماً، وتحاول لملمة جراحها. وإسرائيل تتصرف كمن يسرق بيت جاره أثناء جنازته. هذه ليست قوة، هذه انتهازية خسيسة.

سوريا الحبيبة ليست ساحة مستباحة. الجولان سوري، والقنيطرة سورية، ودرعا سورية. وكل حاجز إسرائيلي مؤقت يُنصب على ترابها، وكل سلك شائك جديد يُمد، وكل شاب يُعتقل، هو دليل إضافي على أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة واحدة: لغة الرفض الشعبي والصمود على الأرض، ولغة أن يبقى السوري في أرضه يزرعها رغم القذيفة.

التاريخ علمنا درساً واحداً: كل احتلال ظن أن الفوضى تمنحه صك ملكية، انتهى به الأمر يجر أذيال الهزيمة من نفس الأرض التي ظن أنه ابتلعها.

Share this content:

إرسال التعليق