طاهر إدريس يكتب: طلاب الأزهر.. حراس الوسطية وورثة العلم
بقلم : طاهر إدريس
ليس طالب الأزهر مجرد طالب يحفظ كتاباً ويردد متناً، إنه مشروع عالم، وحارس هوية، وابن لمؤسسة عمرها أكثر من 1085 عاماً، ظلت وحدها صامدة تحفظ للدين وجهه المشرق.
ثقافة الطالب الأزهري ليست ثقافة تخصص واحد فالطالب العادي يدرس تخصصه فقط. أما الأزهري فعقله موسوعة بفطرته. فهو يبدأ يومه بالقرآن حفظاً وتجويداً، ثم يمر على الفقه على المذاهب الأربعة، فيعرف أن في المسألة الواحدة أكثر من قول، وأن الاختلاف رحمة.
يدرس الطالب الأزهري الحديث سنداً ومتناً، والتفسير سبب نزول وحكماً ومقصداً، وأصول الفقه وقواعده، والتوحيد والعقيدة على طريقة أهل السنة.
وفوق كل هذا، هو لا يجهل الدنيا. يدرس المنطق ليستقيم فكره، والبلاغة ليستقيم لسانه، والنحو ليستقيم قلمه، والتاريخ ليستقيم وعيه. لذلك تجده إذا تكلم، تكلم بلسان عربي فصيح، وإذا ناقش، ناقش بعقل منظم، وإذا سُئل، أجاب بدليل قوي مقنع مستندا بالدليل من الكتاب والسنة.
إن ثقافة مؤسسة الأزهر لا تفصل الدين عن اللغة، ولا العقل عن النقل، ولا التراث عن الواقع وحتي معرفة الطالب الأزهري بدينه هي معرفة بصيرة لا معرفة قشور. فرق كبير بين من يعرف الحكم، ومن يعرف حكمة الحكم.
طالب الأزهر تربى على أن الدين ليس منشوراً على فيسبوك، ولا مقطعاً قصيراً على تيك توك. الدين عنده أمانة إسناد.
هو يعرف من أين يأخذ، وعمن يأخذ. يعلم أن الفتوى ليست رأياً شخصياً، بل هي توقيع عن الله، ولذلك هو أبعد الناس عن الجرأة على التكفير والتبديع. درس قاعدة “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، ودرس “المشقة تجلب التيسير”، ودرس “الضرورات تبيح المحظورات” ففهم أن الشريعة جاءت لرحمة الناس لا لمشقتهم.
لذلك لا تجده متشدداً يكفر المجتمع، ولا مميعاً يبيع دينه ليرضي الناس. هو وسطي كما قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا. الوسطية عنده ليست شعاراً، بل منهج درسه 17 عاما من الابتدائي إلى الجامعة قبل أن تصبح الدراسة فيه 16 عاما.
يعرف متى يتشدد، ومتى يتساهل، ويفرق بين الخلاف المعتبر الذي يجب أن نحترمه، والخلاف الشاذ الذي يجب أن نرده.
سر الطالب الأزهري يكمن في اللغة و في القرآن فهما
أقوى سلاح يملكه الطالب الأزهري معتبرا اللغة العربية إبنها الشرعي. بينما يخطئ كثيرون في قراءة آية، هو يقرأها بضبطها ويعرف لماذا جاءت منصوبة هنا ومرفوعة هناك.
يفهم أن تغيير حركة يغير حكماً فقهياً كاملاً. لذلك كانت ثقافته عميقة لأنها مبنية على فهم النص الأصلي، لا على ترجمة مشوهة أو فهم سطحي حفظه للقرآن منذ صغره لم يجعله مجرد حافظ، بل جعل القرآن يجري في دمه، يهذب سلوكه قبل أن يهذب لسانه.
يملك الأخلاق قبل العلم . مشايخنا ومدرسونا في الأزهر علمونا أن العلم بلا أدب كشجرة بلا ثمر.
الطالب الأزهر أكثر الناس تواضعاً، يوقر شيخه، ويحترم زميله، ويخفض جناحه للناس. تربى في الأروقة على أن يجلس على الأرض أمام شيخه، وأن يقبل يد معلمه، وأن لا يرفع صوته في حضرة العلم. هذه التربية لا تجدها في جامعات الدنيا.
هو ذلك الشاب الذي تجده إماماً في قريته ، ومعلماً في معهده، وخطيباً يصلح بين المتخاصمين، وجندياً في جيش بلده، وطبيباً ومهندساً أزهرياً يجمع بين علوم الدنيا والدين.
الكارهون والحاقدون راهنوا كثيراً على انطفاء نور الأزهر، وكل مرة يثبت أن الأزهر لا يموت.
طلاب الأزهر ليسوا ملائكة لا يخطئون، لكنهم الحصن الأخير. إذا ضاع الأزهر، ضاعت اللغة، وإذا ضاعت اللغة، ضاع فهم القرآن، وإذا ضاع فهم القرآن، ضاع الإسلام الوسطي.
طلاب الأزهر هم بقية السلف، وحجة الخلف، وزاد هذا الوطن في وقت الفتن.
الأزهر لا يُخرج متطرفاً يحمل سلاحاً، ولا متساهلاً يبيع ديناً.. الأزهر يُخرج رجلاً يعرف ربه، ويعرف دينه، ويعرف وطنه.
Share this content:



إرسال التعليق