أرامكو في مواجهة تداعيات الحرب.. كيف حافظت على تدفق النفط رغم الهجمات واضطراب الملاحة؟

كتبت:- أميرة عماد

وضعت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قطاع الطاقة في الخليج أمام اختبار صعب، بعدما امتدت تداعياتها إلى المنشآت النفطية وطرق نقل الخام، وأثارت مخاوف بشأن قدرة الأسواق العالمية على الحصول على إمداداتها بصورة منتظمة، خاصة مع اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز منذ اندلاع المواجهات في 28 فبراير 2026.

وفي قلب هذه التطورات، واجهت شركة «أرامكو السعودية» تحديًا يتعلق بالحفاظ على استمرارية عملياتها وتأمين وصول النفط إلى الأسواق، مستندة إلى بنية تحتية طورتها على مدار عقود، وخطط تشغيلية تشمل مسارات بديلة للتصدير، ومخزونات داخل المملكة وخارجها، إلى جانب تجهيز فرق متخصصة للتعامل مع الأضرار وتسريع إصلاح المنشآت.

 

ومع ترقب إعلان الشركة نتائجها المالية للربع الثالث من عام 2026، تبرز هذه الإجراءات باعتبارها أحد المحاور المهمة لتقييم أدائها خلال فترة الحرب، ومدى قدرتها على الحد من تأثير الاضطرابات على الإنتاج والصادرات، فضلًا عن التكاليف المرتبطة بالتعامل مع الأزمة.

 

من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر.. مسار بديل لتصدير الخام

 

من بين أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها السعودية في مواجهة اضطرابات الملاحة، خط أنابيب «شرق-غرب»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، موفرًا طريقًا بديلًا لتصدير الخام بعيدًا عن مضيق هرمز.

 

ولم يكن إنشاء هذا الخط استجابة للأزمة الحالية، بل جاء نتيجة تخطيط استراتيجي بدأ في مطلع ثمانينات القرن الماضي، خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما اتجهت السعودية، بتوجيه من الملك فهد بن عبد العزيز، إلى تنويع منافذ تصدير النفط تحسبًا لاحتمالات تعطل حركة الملاحة في الخليج.

 

وشهدت طاقة الخط توسعًا في عام 1995، لترتفع إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، فيما تبلغ طاقته التشغيلية القصوى حاليًا نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، وفقًا لما استعرضه وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال «مؤتمر البترول الدولي» في أكتوبر 2026.

 

وخلال المؤتمر نفسه، شدد وزير الطاقة على أهمية الاستعداد للأزمات من خلال توفير البدائل مسبقًا، مؤكدًا أن البنية التحتية الاستراتيجية تمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز أمن إمدادات الطاقة.

 

منشآت نفطية تتعرض للهجمات.. وأرامكو تتحرك لاحتواء الأضرار

 

رغم تعدد مسارات النقل وخطط الطوارئ، لم تكن منشآت «أرامكو» بمنأى عن تداعيات الحرب؛ إذ تعرضت مصفاة رأس تنورة، بعد يومين من اندلاع المواجهات، لهجوم بطائرتين مسيّرتين تمكنت الدفاعات من اعتراضهما، إلا أن حطامهما تسبب في حريق وأضرار محدودة، دون أن يؤثر ذلك في إمدادات المنتجات النفطية إلى السوق المحلية.

 

وامتدت الهجمات لاحقًا إلى البنية التحتية المرتبطة بنقل الخام، ففي 9 أبريل أعلنت وزارة الطاقة السعودية أن استهداف إحدى محطات الضخ التابعة لخط «شرق-غرب» أدى إلى انخفاض التدفقات بنحو 700 ألف برميل يوميًا.

 

ولم تتوقف التأثيرات عند حركة النقل، إذ تراجع إنتاج حقل منيفة بنحو 300 ألف برميل يوميًا، إلى جانب تأثر الإنتاج في حقل خريص.

 

وفي 12 أبريل، أعلنت وزارة الطاقة استعادة خط «شرق-غرب» كامل طاقته التشغيلية، البالغة نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، كما أكدت استعادة الكميات المتأثرة من إنتاج حقل منيفة، مع استمرار العمل على إعادة الطاقة الإنتاجية المتضررة في حقل خريص.

 

وتكشف سرعة التعامل مع هذه التطورات عن أهمية خطط الاستجابة والإصلاح التي تعتمد عليها الشركة، خاصة في ظل الحاجة إلى استمرار تدفق النفط رغم تعرض بعض المنشآت ومحطات الضخ لأضرار.

 

فرق استجابة ومستلزمات إصلاح متاحة محليًا

 

اعتمدت «أرامكو» في التعامل مع الأضرار على منظومة طوارئ تضم فرقًا فنية متخصصة، ومخزونات من قطع الغيار ومواد الصيانة، إلى جانب أدوات تساعد على تقييم الأضرار وتحديد الاحتياجات اللازمة لإعادة تشغيل المنشآت.

 

وفي مقابلة مع وكالة «رويترز» نُشرت في 15 أكتوبر، كشف رئيس «أرامكو» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر، عن جانب من استعدادات الشركة لمواجهة الهجمات، موضحًا أنها تستخدم الطائرات المسيّرة في تقييم الأضرار، وتعمل على توفير مستلزمات الإصلاح، مع تجهيز فرق قادرة على التعامل مع حوادث متعددة في الوقت نفسه.

 

وأوضح الناصر أن الشركة بدأت تطوير فرق متخصصة للاستجابة السريعة عقب الهجمات التي استهدفت منشأة بقيق لمعالجة النفط عام 2019، وواصلت منذ ذلك الحين تعزيز جاهزيتها للتعامل مع الحوادث الطارئة.

 

وأشار إلى أن نحو 90% من المواد المطلوبة لأعمال الإصلاح تنتجها الشركة محليًا أو تحتفظ بها في مستودعاتها، بما يقلل اعتمادها على الواردات ويساعد على تقليص الوقت اللازم لاستعادة التشغيل.

 

وبحسب الناصر، تتجاوز سرعة استجابة «أرامكو» متوسط السرعة المسجلة في القطاع بأكثر من ستة أضعاف، وهو ما يتيح إعادة تشغيل المنشآت المتضررة خلال أيام في كثير من الحالات.

 

ولا تقتصر هذه الاستعدادات على إصلاح الأضرار بعد وقوعها، بل تشمل أيضًا خطط استمرارية الأعمال، وتوفير المعدات الاحتياطية، وفصل المرافق الحيوية داخل المنشآت للحد من تأثير الأعطال، إلى جانب تجهيز فرق قادرة على التعامل مع أكثر من حادث في وقت واحد.

 

اختبار جديد لخط أنابيب شرق-غرب

 

على الرغم من استعادة الخط طاقته التشغيلية بعد هجوم أبريل، واجه «شرق-غرب» اختبارًا جديدًا في سبتمبر، عندما جرى إيقافه احترازيًا للتحقق من سلامته عقب هجوم آخر.

 

وقال وزير الطاقة السعودي، في تصريحات بتاريخ 6 أكتوبر، إن تشغيل الخط استؤنف خلال فترة تراوحت بين خمسة وستة أيام، وبلغت التدفقات بعد استئنافه نحو 5.8 مليون برميل يوميًا، مقارنة بطاقته القصوى البالغة سبعة ملايين برميل.

 

وتعكس هذه التطورات أهمية الخط في استراتيجية تصدير النفط السعودية، خاصة مع زيادة الاعتماد على منافذ البحر الأحمر لتعويض اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، كما تبرز دور سرعة إصلاح محطات الضخ وإعادة تشغيلها في الحد من تأثير الهجمات على حركة الإمدادات.

 

مخزونات دولية وأسطول ناقلات لدعم استمرارية الإمدادات

 

إلى جانب خطوط الأنابيب، تستند خطط «أرامكو» لمواجهة اضطرابات السوق إلى مجموعة من الأدوات الأخرى، تشمل سعات التخزين داخل المملكة وخارجها، والطاقة الإنتاجية الفائضة، وتعدد درجات الخام، فضلًا عن مخزونات الغاز المحلية وأسطول ناقلات «البحري».

 

وكانت الشركة قد أعلنت، ضمن نتائج الربع الأول من عام 2026، تفعيل خطط استمرارية الأعمال للتعامل مع تداعيات الحرب، مع الاستفادة من خط أنابيب «شرق-غرب» ومرافق التخزين المحلية والدولية، إلى جانب تنوع أصولها وبنيتها التحتية.

 

وفي خطاب ألقاه بالعاصمة البريطانية لندن في 5 أكتوبر، تحدث الناصر عن عناصر أخرى تدعم مرونة الشركة، وفي مقدمتها المخزونات الاستراتيجية المنتشرة عالميًا، والطاقة الإنتاجية الفائضة، وتعدد أنواع النفط الخام، ومخزونات الغاز داخل المملكة، إلى جانب أسطول ناقلات «البحري».

 

وتتيح هذه العناصر للشركة خيارات متعددة لإدارة الإمدادات وتلبية احتياجات العملاء، حتى في حال تعطل بعض طرق النقل أو تأخر وصول الناقلات، كما تساعد التجهيزات الاحتياطية داخل المنشآت على تقليل فرص توقف العمليات بصورة واسعة عند حدوث أعطال.

 

أرامكو تبحث مسارات جديدة بعيدًا عن الممرات البحرية

 

لا تقتصر تحركات الشركة على الاستفادة من البنية التحتية القائمة، إذ تدرس «أرامكو» خيارات إضافية لنقل النفط إلى الأسواق العالمية، بهدف تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للاضطرابات، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.

 

وقال الناصر إن الشركة تبحث بالفعل مسارات بديلة، دون الكشف عن طبيعتها أو تفاصيلها، موضحًا أنها ستعلن عنها في حال اتخاذ قرار نهائي بشأنها.

 

ويتزامن ذلك مع توجه سعودي لتوسيع قدرات نقل النفط عبر خطوط الأنابيب، حيث تحدث وزير الطاقة خلال أكتوبر عن استهداف رفع الطاقة الاستيعابية لمسارات تصدير الخام عبر الأنابيب إلى عشرة ملايين برميل يوميًا.

 

ومن شأن زيادة هذه القدرات أن تمنح المملكة مساحة أوسع لإعادة توجيه الصادرات عند تعطل أحد المسارات، وتخفف من الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية، بما يضيف مستوى جديدًا من المرونة إلى منظومة نقل النفط.

 

سنغافورة تنضم إلى مواقع تخزين النفط السعودي بالخارج

 

يمثل التخزين خارج المملكة أحد الحلول التي تتيح الاحتفاظ بكميات من النفط بالقرب من الأسواق المستهلكة، بما يساعد على تلبية احتياجات العملاء عند حدوث تأخيرات في الشحن أو اضطرابات في طرق النقل.

 

وفي أحدث خطوات التوسع في هذا المجال، أعلنت السعودية وسنغافورة، في 26 أكتوبر، التوصل إلى تفاهم مبدئي بشأن تخزين النفط الخام السعودي في كهوف جورونغ الصخرية بجزيرة جورونغ في سنغافورة.

 

وتقع منشأة التخزين على عمق يقارب 150 مترًا تحت الأرض، وتبلغ طاقتها الإجمالية نحو تسعة ملايين برميل من السوائل الهيدروكربونية، ومن المتوقع أن يبدأ تخزين الخام السعودي بها خلال النصف الثاني من عام 2027.

 

ولا تمثل سنغافورة الموقع الدولي الوحيد الذي ترتبط به «أرامكو» بترتيبات لتخزين النفط، إذ تشمل شبكة التخزين مواقع في أوكيناوا وكيري باليابان، وأولسان بكوريا الجنوبية، وروتردام بهولندا، إلى جانب مرافق مرتبطة بنظام خط أنابيب «سوميد» في مصر.

 

وتسمح هذه المواقع بالاحتفاظ بكميات من الخام بالقرب من مراكز الاستهلاك، بما يوفر خيارات إضافية لتلبية طلب العملاء عند اضطراب حركة الشحن. كما تتضمن بعض ترتيبات التخزين منح الدول المضيفة أولوية شراء الخام في حالات الطوارئ، وهو ما يمنح هذه المنشآت أهمية تتجاوز مجرد تخزين النفط.

 

نتائج الربع الثالث تكشف أثر الحرب على أداء الشركة

 

مع اقتراب إعلان النتائج المالية للربع الثالث من عام 2026، تتجه الأنظار إلى قدرة «أرامكو» على الحفاظ على مستويات التشغيل وتدفق الصادرات في ظل الهجمات والاضطرابات التي شهدتها المنطقة، إلى جانب انعكاس تكاليف الإصلاح والتدابير الاحترازية على أدائها المالي.

 

وتوضح الإجراءات التي اعتمدت عليها الشركة أن مواجهة أزمات الإمدادات لا ترتبط بمسار تصدير واحد أو حل تشغيلي منفرد، بل تقوم على مجموعة من العناصر المتكاملة، تشمل خطوط الأنابيب البديلة، ومخزونات النفط المحلية والدولية، وتعدد وسائل النقل، وسرعة إصلاح المنشآت المتضررة.

 

وبينما تظل تقلبات أسعار النفط وتكاليف التعامل مع تداعيات الحرب من العوامل المؤثرة في أداء الشركة، ستكون قدرتها على الحفاظ على استمرارية الإمدادات رغم اضطرابات الإنتاج والشحن من أبرز الملفات التي يراقبها المستثمرون مع صدور نتائج الربع الثالث.الخا

Share this content:

إرسال التعليق

خدمات