ما وراء شاشة WePlay.. حين تتحول الألعاب إلى علاقات افتراضية وهويات مجهولة

كتبت: أميرة عماد

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه وقضاء وقت الفراغ فبعضها تحول إلى عالم اجتماعي متكامل تتكون داخله صداقات وعلاقات عاطفية وتتشابك فيه المشاعر مع الهدايا والمظاهر الافتراضية حتى أصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين اللعب والتواصل الشخصي.

 

ومن بين هذه التطبيقات تبرز لعبة WePlay التي لا تقتصر على تقديم ألعاب جماعية وتحديات بين المستخدمين،ك بل تتيح أيضًا غرفًا صوتية ومساحات للتعارف والتواصل وهو ما يفتح الباب أمام علاقات تتجاوز حدود الشاشة، رغم أن أطرافها قد لا يعرفون الكثير عن حقيقة الأشخاص الذين يتحدثون إليهم.

 

حين يتعلق القلب بشخص لا تعرف حقيقته

 

داخل اللعبة قد تبدأ العلاقة بمحادثة عادية أو مشاركة في إحدى الغرف الصوتية، ثم تتطور تدريجيًا إلى اهتمام متبادل وتعلق عاطفي. لكن المشكلة تظهر عندما يكتشف أحد الطرفين أن الصورة التي رسمها عن الشخص الآخر لا تتطابق مع حقيقته.

 

ومن بين الحالات التي ظهرت داخل اللعبة، فتاة تعلقت بأحد المستخدمين بعد فترة من التواصل، قبل أن يبدأ الطرف الآخر في إخبارها بحقيقة هويته، لتكتشف أن الشخص الذي تعرفت إليه يختلف في هويته وشكله عن الصورة التي قدمها لها في البداية.

 

وتكشف هذه الحالة عن جانب من المخاطر التي قد تصاحب العلاقات الافتراضية خاصة عندما تتكون المشاعر قبل التأكد من هوية الطرف الآخر، أو عندما يعتمد أحد الأشخاص على معلومات وصور لا يملك وسيلة حقيقية للتحقق من صحتها.

 

وفي هذا السياق، يحذر الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر من الانجذاب المتزايد نحو الصداقات والعلاقات عبر الإنترنت موضحًا أن هذه العلاقات قد تمنح أصحابها شعورًا بالراحة لكنها قد تقوم في بعض الأحيان على «وهم الكمال» إذ يحرص كل طرف على إظهار أفضل ما لديه، فيبدأ الطرف الآخر في رسم صورة مثالية عنه داخل خياله دون أن تكون بالضرورة مطابقة لشخصيته الحقيقية.

 

ويرى المهدي أن هذه الصورة الذهنية قد تصطدم بالواقع عند اللقاء المباشر أو اكتشاف تفاصيل جديدة عن الطرف الآخر، وهو ما يفسر جانبًا من الفجوة التي قد تنشأ بين الانطباع المتكون عبر الإنترنت والحقيقة.

 

خواتم وهدايا وكاريزما.. علاقات لها حسابات أخرى

 

ولا تتوقف العلاقات داخل WePlay عند المحادثات والتواصل الصوتي، إذ تضم اللعبة عددًا من العناصر التي تضفي طابعًا اجتماعيًا على تجربة المستخدم، من بينها الهدايا والخواتم الافتراضية ونظام الكاريزما، الذي يرتبط بمظاهر التفاعل والحضور داخل التطبيق.

 

وتظهر الخواتم باعتبارها رمزًا للارتباط بين بعض اللاعبين، فيما تتحول الهدايا إلى وسيلة للتعبير عن الاهتمام أو إظهار التقدير، وقد ترتبط أيضًا برغبة بعض المستخدمين في تعزيز حضور حساباتهم ومكانتهم داخل اللعبة.

 

ومن بين السلوكيات التي ظهرت داخل التطبيق، لاعب دخل في علاقات افتراضية متتالية مع فتيات مختلفات، وارتبطت تلك العلاقات بارتداء الخواتم وتقديم الهدايا المدفوعة. ورغم أن هذا السلوك يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات وأهدافها، فإنه لا يمكن الجزم بأن الدافع وراءه هو رفع مستوى الكاريزما دون وجود تصريح واضح من اللاعب نفسه.

 

كما تتيح اللعبة إقامة مراسم زواج افتراضية من خلال شخصية تقوم بدور المأذون، في مشهد تمثيلي يمنح العلاقة طابعًا رمزيًا داخل عالم اللعبة، لكنه لا يمثل زواجًا حقيقيًا أو ارتباطًا قانونيًا.

 

غرف الدردشة.. من اللعب إلى تكوين العلاقات

 

تُعد الغرف الصوتية واحدة من أبرز المساحات التي تمنح WePlay طابعها الاجتماعي، إذ يستطيع المستخدمون التحدث والتعارف بعيدًا عن الألعاب نفسها، كما تتضمن بعض المهام اليومية البقاء داخل الغرف لفترة زمنية قد تصل إلى نحو نصف ساعة.

 

وفي قراءة لتأثير غرف الدردشة داخل الألعاب الإلكترونية، يوضح الدكتور محمد فوزي محمد عبدالعال، أستاذ مساعد بقسم طب المخ والأعصاب والطب النفسي بكلية الطب جامعة أسيوط، أن هذه الغرف لم تعد مجرد وسيلة لتبادل التعليمات بين اللاعبين، بل تحولت إلى مساحات اجتماعية افتراضية يشعر فيها الأطفال والمراهقون بأنهم جزء من جماعة، ويكونون صداقات ويختبرون مشاعر القبول والانتماء والإنجاز.

 

ويلفت عبدالعال إلى أن الفوز والتقدم داخل الألعاب يرتبطان بنظام المكافأة في المخ، موضحًا أن إفراز الدوبامين، المرتبط بالشعور بالمتعة والمكافأة، قد يجعل التجربة أكثر جذبًا للمستخدم، خاصة عندما تصبح اللعبة مصدرًا لتعويض نقص الشعور بالانتماء أو النجاح في الحياة الواقعية، وهو ما قد يدفع البعض إلى قضاء فترات أطول داخلها.

 

لكن الجانب الاجتماعي نفسه قد يحمل مخاطر، بحسب عبدالعال، خصوصًا عندما يتواصل الأطفال والمراهقون مع أشخاص مجهولين دون معرفة هوياتهم الحقيقية، أو في ظل ضعف الرقابة والخصوصية. ويحذر من أن التعرض للتنمر داخل غرف الدردشة، من خلال السخرية من الصوت أو الأداء أو استخدام الألفاظ الجارحة، قد يترك آثارًا نفسية مثل تراجع الثقة بالنفس والقلق والشعور بالعزلة.

 

كما ينبه إلى احتمالية تعرض الصغار لمحتوى غير مناسب لأعمارهم، بما في ذلك الألفاظ والإيحاءات الجنسية، فضلًا عن مخاطر الاستغلال أو الابتزاز الإلكتروني في الحالات التي يشارك فيها المستخدم معلومات أو صورًا شخصية مع أشخاص لا يعرفهم.

 

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية أكبر عند النظر إلى طبيعة التواصل داخل الألعاب الاجتماعية، حيث لا يقتصر الأمر على التفاعل أثناء اللعب، بل قد يمتد إلى علاقات شخصية ومحادثات متكررة، يصعب أحيانًا على المستخدم الصغير التمييز فيها بين الشخص الحقيقي والصورة التي يقدمها عن نفسه.

 

التعلق الرقمي.. متى تتحول المتعة إلى انشغال دائم؟

 

لا يعني استخدام الألعاب أو تكوين صداقات عبر الإنترنت بالضرورة وجود مشكلة نفسية، لكن الأمر يستحق الانتباه عندما يتحول التواصل إلى انشغال مستمر، أو يصبح اهتمام المستخدم منصبًا بصورة متزايدة على وجود شخص بعينه وردوده وتفاعله معه.

 

وفي هذا الإطار، تشير الدكتورة صفاء حمودة، أستاذ الطب النفسي، إلى أن الاستخدام المفرط لتطبيقات التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى عزلة نفسية واجتماعية نتيجة قضاء فترات طويلة أمام الشاشات، موضحة أن بعض المنصات تعتمد على خوارزميات مصممة لجذب انتباه المستخدم وإبقائه داخلها لأطول فترة ممكنة.

 

وتلفت حمودة إلى أن طبيعة المحتوى القصير والسريع قد تعزز حالة التعلق الرقمي، وقد تصل لدى بعض الأطفال والمراهقين إلى سلوك يشبه الإدمان، كما أن استهداف المستخدم بمحتوى يتناسب مع اهتماماته قد يشجعه على الاستمرار في التفاعل والبقاء لفترات أطول.

 

ورغم أن هذه الملاحظات تتعلق باستخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي بصورة عامة، فإنها تفتح باب التساؤل حول طبيعة التعلق الذي قد ينشأ داخل الألعاب الاجتماعية، عندما تتحول من وسيلة للترفيه إلى مساحة أساسية للتواصل والبحث عن الاهتمام.

 

هويات غير مؤكدة.. من يحمي المستخدمين؟

 

من أبرز التساؤلات التي تفرضها طبيعة التفاعل داخل اللعبة مدى قدرة المستخدمين على التأكد من أعمار وهويات الأشخاص الذين يتواصلون معهم، خاصة أن تقديم معلومات شخصية غير حقيقية قد يغير شكل العلاقة ويؤثر في قرارات أطرافها.

 

وخلال استخدام اللعبة، لم تظهر آلية تحقق فعلية من العمر أو الهوية يمكن التأكد منها، وهو ما يطرح تساؤلات حول إجراءات المنصة في هذا الشأن، ومدى فاعلية أدوات الإبلاغ والرقابة على الغرف الصوتية، خصوصًا عندما يكون بين المستخدمين أطفال ومراهقون.

 

ولا يمكن اعتبار الحالات الفردية دليلًا على أن جميع العلاقات داخل اللعبة تحمل مخاطر، لكنها تكشف عن مواقف تستحق التوقف أمامها، وتعيد طرح مسؤولية المنصات الرقمية في توفير بيئة أكثر أمانًا، وتوضيح سياساتها المتعلقة بحماية صغار السن ومنع انتحال الهوية.

 

وبين الألعاب والهدايا والخواتم والعلاقات الافتراضية، لم تعد التجربة داخل WePlay مجرد منافسة للفوز أو قضاء بعض الوقت، بل أصبحت بالنسبة لبعض المستخدمين مساحة لتكوين علاقات ومشاعر قد تمتد آثارها إلى حياتهم خارج الشاشة. وهنا يظل السؤال الأهم: كيف يمكن الاستمتاع بهذا العالم الافتراضي دون أن تتحول الثقة في أشخاص مجهولين إلى مخاطرة؟

Share this content:

إرسال التعليق

خدمات